5 مايو 2012
5:14 م بتوقيت الجزائر
بقلم : الصحفية: فتيحة الشرع

“فقاقير” الجزائر.. ماؤها يحتضر تحت الرمال

مات نخل الواحات بسبب دمار الفقاقير

   من نافذة الطائرة و على بعد أمتار من الأرض استعدادًا للهبوط بمطار تيميمون بالجنوب الغربي للجزائر، على بعد نحو 1250 كيلومترًا من العاصمة شمالًا، تملّكني الأسى لرؤية مساحات شاسعة من الواحات مات نخيلها، و جفّت سواقيها، و انطمرت تحت الرمل.

   فيومًا ما كانت هذه الواحات يانعة الخضرة و قصور الطين مزدهرة الحركة عامرة، و المياه متدفّقة بين السواقي صافية. صورة تركتها ورائي معلّقة على جدران مكتبي.

   هذا المنظر المؤسف أنساني تعب الرحلة و طول الانتظار في المطار، فأسرعت بالاتصال لطلب مرشد يرافقني إلى تلك الواحات غدًا باكرًا قبل أن تباغتنا الشمس بأوّل شعاع.

   يتميّز الجنوب الغربي الجزائري بنظام سقي قديم و فعّال  يسمّى “الفقاقير”، و هي أشبه بسلسلة مترابطة من الآبار، إذ تعدّ أقدم مصدر مائي للسقي ساهم منذ قرون في إنشاء الواحات و القصور في منطقة تيميمون عاصمة إقليم قورارة أولى مدن ولاية أدرار من حيث السياحة، و ثانيها من حيث الأهمية الاقتصادية، حيث يمارس تسعون بالمائة من سكان المنطقة النشاط الفلاحي داخل الواحات القديمة و أراضي الاستصلاح الجديدة.

   و بفضل وجود هذه الواحات بفقاقيرها و القصور بتقاليدها تمّ تصنيفها وطنيًا في أواخر الثمانينيات كتراث ثقافي وجبت حمايته، و لكن من دون أن يكون لذلك ترجمة على أرض الواقع. أمّا عالميا فتعدّ هذه الواحات ذات أصناف التمر التي تقارب المائتين و القصور ذات الفقاقير التي تتجاوز آلاف السنين من أهم المعالم التاريخية الأثرية و السياحية.

 الفقاقير نبع حياة

   يبدو أنّ لفظ “الفقارة” مشتق من الفقرة؛ لأنّ المظهر السطحي للفقارة هو تسلسل الآبار على شكل العمود الفقري. كما أنّ هذا النظام ارتبط أساسًا بالمناطق ذات الطبيعة القاحلة و الجافة ممّا يفسّر توسّط الفقاقير للعالم القديم (آسيا و إفريقيا). و يعود وجود الفقاقير بهذه المناطق إلى توفّر العوامل التالية: تواجد المنخفضات الطبوغرافية الطبيعية، العوامل الهيدرولوجية المناسبة و اليد العاملة المتمكّنة.

   لعبت “الفقارة” دورًا هامًا في ميدان استغلال المياه الجوفية. و ساعدت طريقة الرّي هذه الحضارات على التطوّر اقتصاديًا و اجتماعيًا و حتّى سياسيًا. و قد اهتدى أهالي هذه المناطق إلى تقنية جذب المياه الجوفية و تصريفها إلى السطح عبر قنوات أفقية تحت سطح الأرض و المسمّاة بـ “الفقارة”، و ذلك لتوفّر العوامل الطبيعية السّابقة الذكر.

   و تعتبر “فقارة ” “أمغير” المسمّاة أيضًا “فقارة” “سيدي عثمان”، و التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع الهجري، أكبر “فقارة” بمنطقة قورارة بالجنوب الغربي الجزائري، و هي تعبُر وسط المدينة إلى يومنا هذا.

   تتكوّن “الفقارة” من نفق أو قناة أفقية جوفية تحت سطح الأرض عرضها يتغيّر من 50 إلى 80 سم، و طولها يتراوح ما بين 90 و 150 سم. و كذا سلسلة من الآبار الإرتوازية حفرت عموديًا للوصول إلى المياه الجوفية السطحية متباعدة بمسافة تتراوح ما بين 3 و 12 مترا، و ذات عمق متغيّر.

   و ترتبط الآبار فيما بينها على مستوى القاعدة بالنفق أو القناة لتوصيل الماء بينها مع وجود انحدار بسيط يسمح بتدفق الماء عبر النفق ثمّ خروجه بواسطة ساقية ليوزّع فيما بعد. يتغيّر طول النفق الكلي لمجموع الفقاقير من مئات الأمتار ليصل أحيانًا إلى بضع كيلومترات، أمّا بالنسبة لفتحة البئر فتكون محاطة بالركام الناتج عن الحفر حتّى يكون حاجزًا أمام تسرّب الرمال.

   و قد أخبرني المرشد الذي رافقني في جولتي، و نحن عند مدخل أحد البساتين التي تشبه حدائق بغداد، و التي بقيت تقاوم، أنّ “الفقارة” مِلك مُشترك لهذا تتطلّب أساليب عملية و قوانين شرعية من أجل ضمان توزيع عادل و دقيق للماء. فهي تعتمد على حساب منسوب المياه في “الفقارة” ليس فقط بعد إنجازها، و إنّما بعد كل تغيّر يحدث في المنسوب الأوّل.

   و يقوم كيّال الماء أو الحاسب الذي يُختار من قبل أهل القصر نظرًا لعلمه و نزاهته بتحديد نصيب كل بستان من الماء بواسطة أداة حساب تدعى الشقفة بمنطقة تدكلت، و هي قطعة خشبية تتميّز بوجود ثقوب ذات فتحات مختلفة تجسّد وحدة المنسوب.

تدهور و زوال

الفقاقير من أقدم أنظمة الري

   الدارسون لتاريخ الفقارة كتراث عالمي يتّفقون على أنّه منذ قرن تقريبًا بدأت الفقاقير بالتناقص من حيث العدد و الإنتاج في العالم، هذا التناقص زاد في العشرية الأخيرة، فمثلًا في الجزائر كان عدد الفقاقير أكثر من ألف “فقارة” بين توات و قورارة و تدكلت بالجنوب الغربي الجزائري سنة 1904.

   أمّا حاليًا فيسجّل الباحثون فقط 570 فقارة منتجة بين توات و قورارة، و 89 فقارة على مستوى تدكلت، إذ إنّ عدد الفقاقير الميتة هو 400 فقارة أي ما يمثّل 40% من الشبكة القديمة. و ممّا تجدر الإشارة إليه أنّ معظم الفقاقير الميتة توجد في المناطق التي تكثر بها عمليات النقب التي تمرّ بالمناطق العمرانية.

   و تبيّن خريطة المياه الجوفية أنّ السبب الرّئيسي لذلك يعود لآبار التنقيب الموضوعة بجوانب الفقارة، و التي تسبّبت في موت أكثر من ثلاثين بالمائة من الفقاقير، حيث تؤدّي تلك الآبار لاستغلال مفرط للأحواض المائية الجوفية، و تبديد لهذه الثروة الثمينة.

   و تكشف القياسات التي تمّ تسجيلها خلال سنوات متتالية انخفاضًا شديدًا في منسوب المياه. و على ضوء المعاينات الميدانية التي قام بها كل من الباحثين الدكتور رميني بوعلام المتخصّص في الرّي، و الدكتور محمد بن سعادة المتخصّص في أنظمة الرّي التقليدية، فإنّ أسباب تدهور حالة الفقاقير عديدة يمكن حصرها فيما يلي:

   أوّلًا: الهبوطات الطبيعية للطبقة المائية:

   إنّ المناطق الصحراوية الجافة تحتوي على خزانات عظيمة من المياه تكوّنت في العصور الماضية، و لندرة الأمطار فإنّ هذه الخزانات غير متجدّدة، لذا فكثرة المخارج في الطبقة المائية على مستوى الصحراء الشمالية الغربية و الشمالية الشرقية أحدثت هبوطات متكرّرة و معتبرة في الحوض.

   على أثر ذلك يلجؤُ ملّاك “الفقارة” إلى تمديد الفقاقير لحفر آبار جديدة، كما يلجؤون إلى تعميق الأنفاق. و من المعلوم أنّ البساتين تتوضّع على مستوى أقل من مستوى “الفقارة”، فعندما يعمق فمن الضروري تخفيض مستوى البستان لكي تتمّ عملية السقي، بتكرار هاته العملية تقترب بعض البساتين من السبخة شديدة الملوحة، أمّا البعض الآخر فيهمل أراضيه عندما تكون في مناطق علوية حيث يتعذر سقيها عن طريق الفقارة، و بالتالي تتناقص تدريجيًا المساحات الزراعية.

   ثانيا: العوامل البشرية:

   و يقصد بها ندرة أعمال الصيانة، فمن المعلوم أنّ “الفقارة” تحتاج إلى يد عاملة كثيرة و جدّ متمكّنة لكي تنفذ أشغال الصيانة على أحسن وجه، و من غير المعقول حاليًا إنجاز فقاقير جديدة و حتّى صيانة تلك القديمة لقلّة اليد العاملة القادرة.

   و يعود سبب قلّة اليد العاملة المتمكّنة إلى عدم توريث الخبرة و الحرفة للأجيال الحديثة، و كذلك نزوح اليد العاملة الفلاحية نحو القطاعات الأخرى كقطاعات البترول و النقل و الخدمات التي توفّر عملًا مريحًا و معاشًا مضمونًا. زيادة إلى ما سبق ذكره قلّة الأجور، فعمّال الصيانة يعملون 8 ساعات في اليوم و في ظروف جدّ خطيرة، بحيث سجّلت عدّة وفيات بسبب انهيار أجزاء من “الفقارة”. و بمقابل ذلك يقبضون أجورًا متدنّية و من دون ضمان اجتماعي.

   ثالثًا: التقاطع مع شبكات صرف المياه القذرة:

   تؤدّي غالبًا أشغال وضع قنوات صرف المياه القذرة و مياه الشرب قرب “الفقارة” إلى انهيار أجزاء من هذه الأخيرة بسبب الحفر أو بسبب سد الأنفاق بالرّدم المتبقّي. و يتعذّر بعد ذلك تصليح الأنفاق لاختلاط الشبكات، و من جهة أخرى فقد تتعرّض قطع الفقاقير التي تمرّ عبر المناطق السكنية إلى تسرّبات من شبكات تصريف المياه القذرة، و لوحظت هذه الظاهرة في المدن الجنوبية الكبرى مثل تيميمون و أدرار و رقان، بحيث لا يمكن في هاته المدن استعمال مياه “الفقارة” للشرب.

مطلوب صيانة عاجلة

صعوبة صيانة الفقاقير من أسباب انقراضها

   يُطلق أهالي الواحات اسم “الفريضة” على عملية الصيانة نظرًا لأهميتها، حيث تتمّ العملية في فصل الصيف و يتفرّغ لها معظم الفلاحين. و في بعض الأحيان يتعذّر على الفلاحين القيام بهذه المهمّة فيلجؤون إلى استئجار عمّال بأجرة معيّنة، و حسب الجهات الإدارية و الفلاحية بالمنطقة فإنّ كلفة صيانة 1 كم من “الفقارة” تقدّر بحوالي 143 دولارًا و ذلك في ظرف 10 أيّام و بواسطة 4 عمّال، أجر كل واحد حوالي 4 دولارات. و تشمل تعميق الأنفاق، و أيضًا بناء و تلبيس الآبار المنهارة.

   و انطلاقًا من أبعاد “الفقارة” و الحالة المتدهورة التي آلت إليها بات من المستعجل التفكير في إيجاد حلول تقنية و إدارية لإحياء و بعث “الفقارة” من جديد، لأنّ بإنقاذها سينقذ مصير سكّان مناطقها، و هم تجمّعات استفحلت فيهم البطالة ليسجّل أكثر من 14000 طلب شغل لدى الوكالة الوطنية لتشغيل الشباب على مستوى ولاية أدرار في السنوات الأخيرة، من دون حساب الفلاحين كبار السن الذين لم يبق لديهم سوى قلب الكفين حسرة على خيرات سادت ثمّ بادت.

   و يبقى التنبيه إلى أنّ الانخفاضات الناجمة عن عمليات النقب هي في الحقيقة نتيجة قرارات سياسية تقنية ارتجالية لم تراع خصوصيات المنطقة و لا هشاشة الوسط، فكان المتضرّر الرّئيسي الفلاحين المستعملين للفقاقير.

   و يتواصل سيناريو الفقاقير التي تحتضر، و العائلات التي تهجر أراضيها بالآلاف نازحة إلى مناطق أخرى بعد أن زاد الضغط عليها، و قانون حماية الفقاقير الذي تأخّر، و أمام كل هذا الوقت أكيد لا ينتظر.

   المفارقة التي ختمت الأمور هي التوجّه الجديد نحو تكثيف الاستصلاح الزراعي و تخصيص أغلفة مالية معتبرة لذلك من دون التفكير في تأمين مصادر المياه، فهل ستستمر الحياة بعد موت الفقاقير؟!

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>