19 فبراير 2012
9:01 ص بتوقيت الجزائر
بقلم : رؤوف. ف وَ عبد الحق. ب

قانون الإعلام “الجديد”:

للانغلاق جنون !

   يعرّف الفيزيائي، الذي غيّر مجرى التاريخ، ألبيرت آينشتاين الجنون بأن يقوم المرء التجربة ذاتها لعدّة مرّات و يتوقّع نتائج مختلفة، و هو ما اعتاد البرلمان بغرفتيه على فعله .. التشريع بذات التشريعات و مع ذلك يتوقّع نتائج مخالفة، و كذلك يقوم الرّئيس و وزيرهم الأوّل و وزرائهم و يتوقّعون نتائج مختلفة..

   يعمل النظام الجزائري في هذه الفترة على ترقيع ما يمكن ترقيعه، فالأحداث المتسارعة التي شهدتها بعض الدّول العربية و بالتحديد جيران الجزائر، جعلت من النظام و رجالاته يدقّون ناقوس الخطر. فقد عرف المجلس الشعبي الوطني المشكوك في شرعيته من قبل أحزاب محسوبة على المعارضة، و لدى أوساط متابعة للشأن السياسي، حركية غير مسبوقة.

ناصر مهل يعتبر قانون الإعلام الجديد حجر زاوية في الإصلاحات السياسية

   إذ صادق البرلمان بغرفتيه الأولى و الثانية في وقت قياسي على ستة قوانين عضوية في أعقاب نقاشات و حوارات حول مشاريع قوانين غاب عنها كثير من النواب، فكان قانون الإعلام من بين أبرز محاور هذه الإصلاحات السياسية.

   مثّل 14 وَ 22 ديسمبر 2011 محطّتان للمصادقة على قانون “جديد” للإعلام، رفعت  درجته القانونية إلى “عضوي”، و يقول عرّابوه إنّه سيعطي دفعًا جديدًا لقطاع الإعلام في البلاد، حتّى إنّ رئيس لجنة الإعلام و الثقافة و السياحة وعد في تصريح صحفي بأنّ “القانون سيفاجئ الصحفيين”.. ولكن في أي اتجاه؟.

   من جهته، دافع وزير الاتصال ناصر مهل عن القانون قبل التصديق عليه، و اعتبره في إحدى خرجاته الإعلامية النادرة خطوة ستسمح بالدّفع نحو خلق مناخ أكثر ديمقراطية، فالمجال سيكون أوسع أمام ممارسة الحريات الجماعية و الفردية، غير أنّ كلمة الفصل لم تكن لرئيس اللّجنة و لا للوزير، فمواد القانون في صيغته النهائية حملت لاءات  و مستثنيات عدّة.

قانون الإغلاق الجديد

   يبدو بأنّ القدر يفعل فعلته، فبعدما كان الصحفيون يتمنّون أن يأتي يوم و يُدفَع بقانون إعلام يعوّض قانون 1990، الذي عرف بعض الانتقادات، الآن هم يترحّمون على قانون 1990، و يدعون الله أن يغفر لهم دعواتهم السّابقة.

   فالقانون الأخير للإعلام أتى بمواد لقيت سخطًا من قبل أغلب الصّحفيين، فالغرامات المالية التي جاء بها هذا القانون تجعل الصّحفي على مشارف أبواب السّجن، حين لا يستطيع دفع 500 ألف دينار جزائري في حالة الإساءة إلى رؤساء الدّول الأجنبية مثلًا في كتاباته، زد على ذلك فإنّ القانون يُدخل طوعًا أو كرهًا الصّحفي في جوف الرّقابة الذاتية، لأنّ سلطة الضبط التي ستعوّض المجلس الأعلى للإعلام لها سلطة تقديرية، و من ثمّة يعرف مسبّقًا تقدير القادر على عبد القادر، ليس حكمًا على النوايا، لسبب وحيد يتعلّق بمنطق الكيل بمكيالين الذي قد يحظر في أيّة لحظة.

   كما إنّ هذا القانون منح حق فتح قنوات تلفزيونية و إذاعية للخواص، و هو ما كان خطًا أحمرًا، فلطالما كان مجال السّمعي البصري محتكرًا في يد النظام، تحوّلت معه التلفزيون و الإذاعات الحكومية إلى بوق لترويج أسطوانات النظام المملّة، و مؤسّسات تصنع التخلّف في أبشع صوره .

توفيق خلادي بدلًا من عبد القادر عولمي.. ما الجديد؟

   و أحسب أنّنا لن نبالغ إذا قلنا إنّ القائمين على هذه المؤسّسات و بعض العاملين فيها قد يختلفون في كل شيء إلّا في تقديم الرّداءة و التفاخر بها، أي أنّ التغيير الذي حدث مرخّرًا على رأس مؤسّسة التلفزيون الجزائري بترقية توفيق خلادي من مدير عام للإذاعة الوطنية إلى مدير عام للتلفزيون خلفًا لِـ عبد القادر عولمي المغادر، لن يقدّم الجديد، و الجزائريين فقدوا الثقة بمؤسسات الإعلام “الرسمية”.

   بيد أنّ السّؤال الملح في هذا الظرف هو هل بإمكان من كان وراء تبنّي هذه الخطوة أن يخلق قنوات تلفزيونية لها على الأقل نفس معايير القنوات الفضائية الأخرى، على غرار قناة  فرانس 24، فعند انطلاقتها سنة 2006 انتُقِدت بشدّة، فقد بلغ رأسمالها بـ 80 مليون أورو أمام رأسمال هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” -التي تعيش على دافعي الضرائب – الذي يقارب 600 مليون أورو.

   فالأموال المستثمرة في أيّة قناة تعكس مدى تطوّرها من حيث الهياكل و الإمكانات الممنوحة لتطوير عملية الإنتاج. لكن في الجزائر الاستثناءات واردة بصفة جدّ طبيعية، فجريدة الشروق اليومي وَ الوطن، تعتبران من أهم الجرائد الوطنية من حيث السحب و الانتشار، بصراحة دعونا نتساءل هل تملك الأموال اللّازمة لإطلاق قنوات تلفزيونية و محطّات إذاعية برأسمال ضخم؟.. في وقت تحوّلت فيه عملية إنتاج الأخبار و الأعمال التلفزيونية و البرامج الإذاعية إلى صناعة تحتاج إلى تمويل و تخطيط دقيق و مهارات إعلامية عالية.

الشروق، من الورق إلى الصورة.. أين النوعية؟

   أولى هذه النماذج تصنعها “الشروق تي في” التي تبث تجريبيًا من العاصمة الأردنية عَمان مؤقّتًا قبيل منح التراخيص في الجزائر، تُذكّر مشاهديها القلائل بالقنوات الليبية البائدة قبل سقوط نظام معمر القذافي، بالأخضر تدعو و بالأحمر تروّج، من دون الغوص في خلفيات إطلاق القناة بهذه السرعة، إذ أنّ أخبارًا متداولة تشير إلى كل من المدير العام السابق للتلفزيون حمراوي حبيب شوقي الذي يعمل الآن سفيرًا للجزائر في رومانيا، إلى جانب محمد روراوة، رئيس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، هما من أعضاء مجلس الإدارة، و المفاجأة أنّ اسم المعلّق الرياضي في قناة الجزيرة الرياضية حفيظ دراجي سقط سهوًا ضمن قائمة المساهمين في القناة، لكن لم يتم التأكّد من هذه المعلومات، فإلى غاية التأكّد من صحّة هذه الأخبار من عدمها، أيّة ضمانات تلقيت يا سي علي فضيل ؟.

   على النقيض من ذلك، نجد وضع تلك الجرائد التي أعلنت مبكّرًا عزمها الانتقال إلى فضاء التلفزيون و الإذاعة لا يجعلنا متفائلين، فأصلًا صحفيو هذه الجرائد لا يتقاضون أجورًا معقولة و ظروفهم المهنية و الاجتماعية تحتاج إلى إعادة نظر.. فهل هم فعلًا قادرون على المنافسة في قطاع يحبّذ ضخ الأموال بوجه لا يجد مجالًا للمقارنة بالتي توضع في الورق.

قناة الجزائرية.. هل من جديد؟

   في المقابل، قد ننتظر قنوات يملكها أرباب عمل الذين أبدوا نيَتهم في الاستثمار في هذا المجال، و على رأسهم المقاول في مجال البناء علي حدّاد، مالك فريق اتحاد الجزائر، الذي استبق المصادقة على القانون و صدور المراسيم التنظيمية بإطلاق قناة على شبكة الإنترنت تدعى “دزاير واب تي في” تحضيرًا للمرحلة لنيل الترخيص الرسمي للبث الأرضي و الفضائي. في انتظار رجال أعمال معروفين على غرار أسعد ربراب، مالك عملاق “سيفيتال” الذي يملك أصلًا جريدة “ليبرتي” منذ التسعينيات، و المستثمر في قطاع الخدمات السياحية الجيلالي مهري، هما كذلك من المتطلّعين إلى الاستثمار في قطاع الإعلام، بل حتّى إنّ هناك من أشار إلى “قناة الجزائرية” التي تستعد للانطلاق قريبًا فهي في مرحلة البث التجريبي، هي من أذرع “حريري الجزائر” الجيلالي المهري، أمّا كريم كرداش، صاحب وكالة “فول ميديا”، و المنتج رياض رجدال مؤسّس وكالة “ستوديو 7″، ما هما إلّا واجهة لهذا المشروع لخبرتهما في مجال الإنتاج التلفزيوني فقط.

رحم الله الحرية

   ظنّ الجميع لأوّل وهلة بأنّ حرية الإعلام في الجزائر قد تجسّد مزيدًا من الانفتاح بعد ولادة هذا القانون العضوي الذي يرقى في أهميته إلى القوة القانونية للدستور، لكن الواقع جاء عكس تصوّر الصحفيين، فما زال مثلًا حق الوصول إلى المعلومة التي تمس بالأمن و الدّفاع الوطني و سر التحقيق القضائي و ما تبعه من المحرّمات القانونية، ليبقى أحد أسس العمل الإعلامي المحترف محط نقاش لا يخرج عن الأطر الأكاديمية بعيدًا عن الواقعية التي تفرضها يوميات العمل الصحفي.

رياض بوخدشة

   فعضو المبادرة الوطنية من أجل كرامة الصحفي رياض بوخدشة يرى بأنّ هذا القانون بعيد كل البعد عن تطلّعات الصحفيين الجزائريين. فالنظام السياسي لا ينوي إصلاح قطاع الإعلام وفق منطق الحرية و الحق في الإعلام، بل هي مراوغات لربح الوقت أمام موجة التطوّرات التي تعرفها دول الجوار، و ما يؤكّد هذه الفكرة تصريح القيادي في حزب جبهة التحرير الوطني محمّد بوعزارة الذي يرى بأنّه لا توجد ديمقراطية بمعناها المطلق و المفتوح، فحسب رأيه حتّى الولايات المتحدة الأمريكية لا تتمتّع بحرية إعلام مطلقة، و من ثمّة يظنّ بأنّ على الجزائر فتح مجال للحرية الذي لا يضر بمصالح البلد، و حين يحاجج هؤلاء أولائك بهذه النبرة و وفقًا لهذا المنطق، فإنّنا أمام انفتاح صوري يمهّد لإطلاق العنان لفضائيات تنهب المال أو الرّيع العام باسم السماء المفتوحة.. فهنيئًا للشعب الجزائري!

   بات جليًّا بأنّ “النخبة السياسية”، لها تفكير يصب في وادٍ بعيدٍ عن واد و منطق الصّحفيين الجزائريين، في الوقت فشلت فيه الضغوطات الخجولة التي يمارسها بعض الصّحفيين على الحكومة من أجل تعديل فحوى القانون، نرى بأنّ من يسهر على تصميم زِي هذه المواد يراعي بالدّرجة الأولى الأبعاد الأمنية في معالجة الأمور، و هذا ما يدفعنا إلى القول بأنّ حالة الطوارئ أُلغِيَت على الورق لكن عمليًا مازالت سارية المفعول، ليتّضح معها بأنّ الأمور هي أبعد من أن تكون فقط محصورة في قانون عضوي للإعلام.

   لم نتعمّق في مواد لا هذا القانون الجديد و لا قانون 1990، لأنّنا على قناعة بأنّ معرفة الخلفيات و الدّوافع من وراء وضع هذه القوانين تكفينا لفهم و حتّى تكهّن ما ستحمله موادها، فالظروف السياسة الدّاخلية التي تمرّ بها البلاد، و الضغوطات الدّولية على النظام السياسي تجعل من الرّجل “الأوّل” في البلاد يعوّل على إجراءات تسكينية لا تطبيبية من أجل امتصاص حماسة الرّاغبين في الإصلاح الفعلي، فقانون الإعلام الجديد أُوجدَته زوبعة الإصلاحات السياسية، فهل هو كفيل لصدّ إعصار التغيير الذي تعمل على فرضه أطراف خارجية؟ أم أنّ مضمونه يعتبر شهادة وفاة مسبقة له و لإصلاحات يقول الرّئيس بوتفليقة إنّها إصلاحات الشّعب الجزائري !.